الأمر قريب وشخصي


Up Close and Personal

 بقلم آرت لستر Art Lester

ترجمة جيك لستر Jake Lester

في أحد الأيام منذ بضع سنوات، كنا – زوجتي جيلي وأنا – نركب حافلة في لندن. وحسب القواعد الرسمية للحافلات، يجب على الركاب أن يصعدوا إلى الحافلة من الباب الأمامي وأن ينزلوا من الباب الخلفي. كانت الحافلة مزدحمة، وكانت لا تكاد تتحرك بسبب الاكتظاظ المروري الكثيف في غرب لندن. جاء العديد من الركاب إلى مقدمة الحافلة في محطات التوقف وطلبوا من السائق أن يسمح لهم بالخروج من الباب الأمامي، فكان يستجيب لهم ويفتح لهم الباب فينزلون.

وفي إحدى المحطات تقدمت سيدة سوداء في العقد الخامس من عمرها إلى السائق كما فعل الآخرون – وكان السائق رجلاً أبيض البشرة – وطلبت منه أن يفتح لها الباب الأمامي، فهز رأسه رافضاً. بدأت السيدة في أن تستجديه، لكنه تجاهلها. في النهاية اضطرت تلك السيدة إلى أن تهرول إلى الأبواب الخلفية لتنزل. رأيتها بعد ذلك على الرصيف بينما واصلت الحافلة رحلتنا زحفاً في اتجاه إيلينغ. كانت السيدة تتمتم، وأظن أنها كانت تسب وتلعن. وبعد أن تحركنا مسافة شارعين، كانت لا تزال في مكانها، تنظر للسائق شزراً وتتمتم إلى نفسها.

تركَت الواقعة فينا – أنا وزوجتي – أثراً كريهاً، فمن الواضح أنها كانت حالة تمييز عنصري. لم يكن السائق قد فعل شيئاً لا يليق حسب القواعد، إلا أنه كان يعرف، وكانت السيدة تعرف، وكنت أنا وجيلي — وكنا نجلس بالقرب من مقدمة الحافلة — نعرف أن شيئاً قبيحاً قد حدث. بدا لي وأنا أتابع وجه المرأة أن ذلك الفعل قد سمّم أوردة المدينة بجرعة صغيرة من السم، وأن الأجواء التي نعيش فيها قد أصبحت أكثر قتامة – وربما أكثر خطورة – بقليل.

تذكرت قصة أخبرني بها شخص أعرفه في دبلن عن وصول سيدة سوداء إلى حافلة متأخرة عن موعدها، وكانت مثقلة بالطرود، فتسببت في تأخر تحرك الحافلة لعدة دقائق، إلا أنها عوملت بأدب ولطف، وعندما صعدت أخيراً إلى متن الحافلة، ابتسمت وقالت للجميع: "أنا أشعر بأنني بوركت. لقد بوركت!".

يبدو لي أن الأمر لا يخلو من التبعية المنطقية: فإذا كانت السيدة الثانية قد أحست بالبركة، فلا بد أن تكون الأخرى قد شعرت باللعنة. وللعجب، ففي موقفين روتينيين بسيطين يتكرران ملايين المرات كل يوم، تم إطلاق لعنة وبركة في العالم! وفي كلا الموقفين، امتدت النتائج إلى خارج نطاق اللحظة. ففي الموقف الأخير، لا شك أن جميع ركاب الحافلة قد شعروا بدفء مباركة السيدة. وفي شوارع لندن اللئيمة، فأنا متأكد أن الآخرين شعروا بألم لعنة السيدة الأخرى. الحادثين بسيطين، ولا يحتملا أن يخضعا للقانون وعقوباته، ومع ذلك فقد أثرا على حياتنا بطرق لا يمكننا قياسها، فتقول نظرية الفوضى أن يمكن لضربات أجنحة فراشة في غابات الأمازون أن تنتج إعصاراً جائحاً في أوروبا.

عزيزي القارئ: هل تعرف شخصاً لم يتأذى لمقتل ذلك الصبي طعناً في شهر يناير ٢٠١٩ في شرق لندن؟ قام ثلاثة رجال بقتله بوحشية، ويبدو أن ذلك كان لمجرد أنه كان يسكن في شارع يقع تحت نفوذ عصابة تنافس عصابتهم. ربما كان يجب أن أسأل: هل صُدمت؟ بكل أسف، قد لا تكون قد صُدمت، فقد أصبحت مأساته مجرد قصة أخرى تُتداول بين الناس عن عالمنا الذي أصبحنا لا نكاد نألفه.

بمجرد أن تصبح حكاية ما مجردة من عناصرها الآدمية، ويتم القتل تحت راية أو أخرى، تصبح عمليات القتل البسيطة أعمالاً بطولية، ويتحول الانتحار استشهاداً، ولقد تجرّد كل ذلك من كونه ظاهرة شخصية على الإطلاق. لهذا السبب فأنا مقتنع بأن الأشخاص الذين يرتكبون جرائم قتل جماعية ربما يقولون، في صدى مخيف لأقوال المافيا: "هذا ليس أمراً شخصياً. إنه مجرد بيزنس".

بالتأكيد سمعنا جميعا بما يسمى بالكارما، وهي ما معناه جوهرياً أن كل تجارب الإنسان هي نتيجة لقاعدة السبب والنتيجة، وهي تتوازى مع قانون نيوتون في الفيزياء الذي يقول أن لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، ويقول أهل كاليفورنيا: "ما يدور يعود".

هذه نصف حقيقة، ولكنها حكيمة. أقول أنها نصف حقيقة لأنها لا تتجاوز عادة ما يتعلق بحياة الشخص الواحد. وفي أبسط صورها، فإنها تخبرنا أن العنيف سيقع ضحية للعنف، وأن الجشع سيكون ضحية للجشع. وهي نوع من مراجع الأخلاقيات يقصد بها إدامة التزام الناس بسلوكيات معينة، وهي من صور ما يسمى بـ "القاعدة الذهبية"، وهي: "افعل بالآخرين كما تريد أن يفعلوه بك" أو "حب لأخيك ما تحبه لنفسك". وكأي روشتة أخلاقية، فهي لا تخلو من بعض الأنانية الكامنة. فقد تقول أيضاً: "كن لطيفاً مع الناس لتحصل على مكافأة لطيفة". لكن ذلك يختلف عن الفكرة القائلة بأن اللطف مع الناس من أجل اللطف ذاته – دون مقابل – هو الأسلوب الصحيح في الحياة.

يبدو لي أن كان للمسيح وعدد من الأساتذة الروحانيين الآخرين وجهة نظر مختلفة في هذا الموضوع. عندما سُئل المسيح عن هذا الشيء الغريب المسمى بـ "مملكة السماء"، قال أنها "في متناول اليد". وفي نظري، فقد كان يلمّح بذلك إلى أنه يعيش فعلاً في مملكة السماء على الأرض، وأنه كان، في الواقع، مواطناً في عالم من نوع خاص ومختلف.

في هذا العالم الذي كان يعيش فيه، تبدو الأمور غير عقلانية. ففيه أنت تحب عدوك، وتبارك الذين يلعنونك، وإذا ما طلب منك شخص معطفك، فأنت تعطيه قميصك أيضاً، وإذا ما لطمك شخص على وجهك، فأنت تقدم له الخد الآخر ليضربه! لم يقل المسيح أن هذا من شأنه أن يجمع لك رصيداً من الكارما الجيدة، أو أن بعد أن يتم ضربك عدداً معيناً من المرات فإنك ستربح اليانصيب. بل، في الواقع، يبدو أنه كان يريد أن يعلّمنا ببساطة أن هذا هو سبيل الوصول إلى مملكة السماء والسكنى فيها. أنا أستخلص من ذلك أن مملكة السماء، أي العالم الأفضل الذي نتمناه، لا يمكن تحقيقه إلا بهذه الطريقة — أي بأن نتخلى عن طمعنا في عائد شخصي من أجل شيء أكثر أهمية بكثير. هذا الشيء الأهم محيّر، لأنه يصعب تعريفه ولأنه غير مرئي. ولكن ما يجب أن تعرفه – بإيجاز – هو أنك إذا مارست الحياة وفقاً لقواعد تلك المملكة، فإنك في الواقع ستساهم في تحقيقها.

قد يقول قائل: "بالتأكيد لا يمكننا أن نعيش كما يقترح المسيح، أليس كذلك؟ فيجب علينا أن نعتني بمصالحنا الخاصة، وكل شيء في الوجود يتبع هذا النمط: فلا يمتنع الأسد عن افتراس الظبي الصغير بدافع الشفقة، ولا يمتنع أي أسد من أسود التجارة عن افتراس الأعمال التجارية العائلية الصغيرة. حتى الأشجار نفسها تكافح للحصول على أكبر قدر من الضوء ولا تكترث بالأشجار الأخرى التي تعاني في الظل. هكذا نتنافس على الوظائف والمال، وأحيانا نفعل أشياء ربما لا ينبغي لنا أن نفعلها حتى نحقق النجاح. هذا ما يفرضه علينا تكويننا البيولوجي، أليس كذلك؟" أجيبه بأن لا! ليس كذلك بكل تأكيد، فما ذلك إلا فكرة من أفكار "الداروينية الجديدة" يتحمس لها دعاة اللامعنى كالكثيرين من قادتنا السياسيين.

ليست قصص العظماء منا ببعيدة، وهي تأتينا لتربك تنافسنا. لنتأمل رجلاً ضحى بحياته لإنقاذ طفل من الغرق، أو زعيماً ناضل لتحرير قومه جعل من نفسه هدفاً للقتلة عن طيب خاطر، أو مليارديراً – كصديقي كريس هون – تبرع بأكثر من مليار جنيه إسترليني من ماله لمؤسسة خيرية من أجل إغاثة أطفال في أفريقيا، أو أمهات ضحين وأجداداً ضحوا عبر العصور، وملايين ممن لا نعرفهم طرحوا مصالحهم الشخصية جانباً من أجل تحقيق ما يرونه صحيحاً. هذه القيمة أيضاً متأصلة فينا. وإنه التجاذب بين قطبي طبيعتنا الذي يجعلنا بشراً.

أعتقد أن هذا – أكثر من أي شيء آخر – هو جوهر ما أمرنا به يسوع المسيح عيسى بن مريم: ببساطة، إذا ما استطعنا أن نتعلم أن نستمع إلى ذلك النشيد الآتي من بعيد الذي يبشرنا بمملكة قادمة، وأن نطرح عن أنفسنا مصالحنا الأنانية، فقد نجد للنجاة سبيلاً. قد لا نحقق مملكة السماء، ولكن يسعنا بكل تأكيد أن نحقق عالماً يسوده الإنصاف بدلاً من أخلاق تقيّم بالدولار والسنت.

في الآونة الأخيرة أشعر بأن الأمور قد ازدادت قبحاً بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبسبب عنصرية ترامب التي يدعو لها بشكل متوار. ولكن ما أريد أن أتناوله هنا ليس هو ما إذا كانت تلك الأمور صالحة أو فاسدة، ولكن كيف أنها باتت تحتل مكانة محورية في حياتنا المشتركة. إلا أن يبدو لي أحياناً أن هناك تياراً من النوايا الحسنة يحاصرنا، لكننا لا ندركه خلال معظم سنواتنا في هذه الدنيا. لست أقول أن لم يكن الكثير من الأحداث في تاريخنا المشترك مؤلماً وقاسياً، لكن على الأقل كان يوجد ما يمكن أن نصفه بأنه قيم جوهرية، ولم يتم تحليل تلك القيم لأنها كانت دائماً موجودة.

كلا، أنا لا أقول أن المراهقين لم يطعنوا بعضهم الآخر في الماضي، فقد كتب شكسبير عن ذلك في رائعته "روميو وجولييت" في القرن السادس عشر. كما أنني لا أزعم أن العصبية لم تتسيد الموقف السياسي من قبل، فقلما لم يكن هناك منْ هو على استعداد للتضحية بإنسانيته من أجل أفكار مشبوهة. ما أتحدث عنه هنا ينبئني به حدسي، فأعتقد أن هناك نوعاً جديداً من الفوضى يتربص بنا من خلف أسوار حياتنا العادية.

أرى أننا فقدنا مبادئ الإنسانية المطلقة التي كنا نتشبث بها. وبدلاً من أن نتمسك باليقين الأخلاقي، فقد دخلنا في مرحلة الأخلاقيات المقارنة أو أصبحنا لا نكترث بها على الإطلاق. لقد فقدنا الإيمان بأسمى قيم الإنسانية، وما هو أسوأ من ذلك هو أننا لا يمكننا حتى أن نتخيل كيف يمكن استعادة ذلك الإيمان. أخشى أننا لم نعد نوقن بوجود إله حكيم سيكافئ الأفاضل ويعاقب الأشرار، ولم نعد مطمئنين لوجود محكمة ملاذ أخير ليلجأ إليها المستضعفون. أمسينا نتشدق بألفاظ الجلالة، وتحوّل معنى عبارة "In God we trust" (أي نحن نضع ثقتنا في الله) المنقوشة على كل عملة أمريكية لتعني "علينا أن نثق في قوى الأسواق".

ولكن أعتقد أن هناك ما هو أهم وأعمق من الجعجعة اللاهوتية التقليدية يلعب دوراً جوهرياً هنا. أشعر أن هناك أشياء ليس لدينا اسماء لها – ولربما تكون أشياء محفورة في جيناتنا. أدامت لنا هذه الأشياء منبعاً غير مرئي للنوايا الحسنة وهي تبقي على ذلك المنبع في متناول أيدينا. إنها أفكار متأصلة تكمن فينا في أعماق دفينة تجعل من الصعب علينا حتى أن نراها، ولكنها تشكل اللُب الذي تنبع منه إنسانيتنا، فنمتنع ببساطة عن ارتكاب بعض الأفعال، ونقدس بعض الأمور، وتجعل بعض الأمور مؤلمة حتى للضمائر الضامرة للأشخاص المعتلّين اجتماعياً. هذه الأفكار تبدو الآن مهددة بالخطر.

الناس غالبا ما يسألون — وأنا نفسي أتساءل — عن علاقة الفعل الفردي البحت بالتجربة الشاملة للبشرية كلها. في يوم من الأيام كاد دبور أن يلدغ ذراعي بينما كنت في القطار، فألقيت الدبور على الأرض وكنت على وشك أن أسحقه بحذائي، لكن أوقفني رجل بدا لي منهكاً من جراء معاناة طويلة ما. وضع الرجل يده على ذراعي وقال لي: "لا تقتله"، وبذلك أعادني إلى رشدي، فكنت ممتناً له. ما كان ذلك الرجل يعبّر عنه في تلك اللحظة هو إحدى تلك الأفكار الخفية الغامضة التي تربطنا ببعضنا الآخر.

أعتقد أن هذا التيار – الذي يمكن له أن يديمنا أو أن يغرقنا – يكمن في عالم سلوكياتنا اليومية، وأعتقد أن هذا هو المكان الوحيد الذي يوجد فيه ذلك التيار. لا توجد قوانين، أو برامج حكومية، أو لمحات بصائرية معجزية يمكن لها أن تغير من حقيقة أن ذلك يكمن في سلوك كل منا الفردي اليومي، فكل منا مسؤول عن رفاه العالم بالمعنى الحرفي الصريح. هذا ما كان يتحدث عنه ذلك الشاب الشرق أوسطي منذ أكثر من ألفي عام. فإذا ما تباركنا عندما يصرخ كل شيء فينا أن نلعن، فنحن عندئذ ننتقل إلى مملكته غير المرئية. وإذا ما استطعنا أن نلتفت عن الكراهية والغضب وأن نبرئ شخصاً واحداً ينتمي إلى عنصر غير عنصرنا، أو غريب عن بلادنا، أو يميني السياسة، أو عاهرة، بغض النظر عن احتقارنا للفئة التي ينتمي إليها ذلك الشخص، ففي كل مرة نفعل فيها ذلك فإننا نضيف بعض الخرسانة لأساسات جديدة لنا يمكننا أن نبني عليها صرحاً جديداً.

الأمر بيدك.

الأمر بيدنا جميعاً.

آرت لستر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة