كيف أحب الناس وهم مخطئون لهذه الدرجة؟

How Can I Love People When They're All So Wrong?
بقلم آرت لستر Art Lester
ترجمة جيك لستر Jake Lester
أحاول ألا أتابع الأخبار على التلفزيون هذه الأيام، ففي كل مرة أفعل، يزداد حنقي.
كثيراً ما أجد نفسي قلقاً من الأحداث الفظيعة التي تجتاح بلدي الأصلي، فيبدو أنه لا يمر يوم إلا يحصل فيه شاب – بل طفل – على سلاح ناري بسهولة بالغة، فيعتبر أن اليوم هو اليوم الذي سيحقق فيه المجد بسلاحه. والنتيجة؟ النتيجة أن يقتل ويصاب الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال وكبار السن. وما يزيد الطين بلة أن ذلك يحدث في جو سياسي واجتماعي يكاد يتفق الجميع على أنه مسموم، يقذف فيه المحاورون الإعلاميون من طرفي الطيف السياسي خصومهم بأفظع الاتهامات، إلى درجة تجعل الإهانات السخيفة المتبادلة في البرلمان البريطاني تبدو وكأنها حوار هادئ رزين.
ألا تعتقد أحياناً – عزيزي القارئ – أن الجميع مخطئ سواك؟ ألا يخطر ببالك أن لو أدرك الناس أن معتقداتك هي الطريق الوحيد الصحيح، فسيكون العالم مكاناً أكثر سعادة وأمناً ورخاء؟ ألا يحدث ذلك معك؟ أنا متأكد أنه يحدث معنا جميعاً.
بيد أنني في الحقيقة لا أقول مثل هذه الأشياء. على الأقل فأنا آمل ألا أكون أقول مثل هذه الأشياء، لكن قد يكون من شأني أنني أقول ما يشبه ذلك أثناء هفواتي التي ربما أكون فيها متزمتاً ومعتقداً أنني على حق. ورغم ذلك، يدعوني أفضل وازع في نفسي إلى أن أستمع إلى منْ لا أتفق معه، وإلى أن أمارس معه ما تعلمته عن التشاعر أو التقمص الوجداني. يقول المثل القديم: "لا تدين رجلاً حتى تسير ميلا في حذائه"، أي لا تحاسبه قبل أن تضع نفسك مكانه لمدة كافية (وإن كان لي أن استطرد قليلاً، فقد ضحكت عندما قرأت تعليقاً بأحد المواقع على الإنترنت يقول: "لا تدين رجلاً حتى تسير ميلاً في حذائه، فبهذا ستكون على بعد ميل منه وستكون قد أخذت منه حذائه!").
عندما كنت أعمل في بوتسوانا في الثمانينات، كنت أقيم في مركز تديره طائفة الكويكر[1] للاجئين الساعين للهرب من آفة الفصل العنصري. كان أصدقائي هناك من أبناء جنوب إفريقيا السود الذين دمرت العنصرية والقمع حياتهم، وكان بعضهم قد تعرض للتعذيب، وكان أحدهم قد تسلل من فتحة في السياج وفي جسده ثلاث رصاصات! في هذه الفترة قرأت كتابات نيلسون مانديلا وستيف بيكو، وكنت أتحدث كثيراً عن الحرية. كنت أشعر بالغضب تجاه أعضاء طائفة الكويكر الذين كنت أعمل لديهم لأنهم لم يسمحوا لأعضاء المؤتمر الوطني الافريقي بالمكوث في المركز لإيمانهم بالعنف المسلح، أو هكذا بررت الكنيسة المحلية موقفها.
تعلمت أن أكره أبناء جنوب أفريقيا البيض، وتورمت كراهيتي حتى كرهت لهجتهم، ولون بشرتهم المنقوعة في الشمس، وحتى فريقهم للعبة الكريكيت! أقول ذلك بكل أسى، فقد كنت مخطئاً، ولم أكتشف فداحة خطأي إلا بعد عودتي من هناك. ذات يوم التقيت بقس شاب اسمه باتريك ينتمي إلى الكنيسة الإصلاحية الهولندية، وكان حتى ثلاث سنوات قبل أن نتقابل ينادي بالفصل العنصري. كان هذا القس فيما سبق يُجِدّ في البحث في مقاطع الإنجيل على ما يبرهن به على أن الله يقصد أن يكون السود خدماً للعرق الأبيض الذي كان يراه متفوقاً، وكان متحمساً لذلك. وكما أوضح، فقد تمكن من التمسك بهذا الرأي لأنه كان ينظر إلى السود على أنهم أشياء، وليس على أنهم بشر. فالأشياء يمكن تحميلها على شاحنات والتخلص منها برميها في الجبال القاحلة، ويمكن إجبارها على حمل جوازات سفر في بلدانها، وحتى - إذا ما خرجت تلك الأشياء عن طاعتهم - أن تُضرب بالرصاص في الشارع، فهي مجرد أشياء. وكان يرى أن يمكنه أن يبرر كل ذلك بالاقتباس من الإنجيل.
استمر ذلك حتى حدث في يوم من الأيام أن وقع بين يدي ذلك القس – باتريك – نسخة من كتاب "حياتي مع مارتن لوثر كينغ" بقلم كوريتا سكوت كينغ – وكان كتاباً محظور تداوله. يقول باتريك أنه – بروح من التهكم – بدأ في قراءته. قال لي باتريك عن تلك اللحظة: "يا آرت، لقد كانوا على حق في حظرهم لذلك الكتاب، فبنهاية قراءتي للفصل الأول كانت حياتي قد بدأت تنقلب رأساً على عقب. لم يكن ذلك بسبب أنني أدركت عظمة مارتن لوثر كينغ – فلم أكن قد استوعبت ذلك بعد – ولكن لأنني تنبهت فجأة إلى أن كينغ كان إنساناً مثلي تماماً". اعتكف باتريك أياماً قضاها يصلي ويبكي، وعندما انتهى من ذلك، قام بإلقاء خطبة مناهضة للفصل العنصري من منبره في كنيسته، فلاقى جزاء لها ما لا يمكن تخيله من الإدانة والشجب. ونتيجة لذلك فقد أُقيل، وتم فصله من صفوف الكهنة، وتم طرده من مقر الكنيسة، وتبرأت منه أسرته. عندها قام باتريك بالانضمام إلى الجبهة الديمقراطية المتحدة[2] التي كانت في مراحل تأسيسها، وأصبح ناشطاً لا عنفي. وأخيراً، قام بنفي نفسه. كان ذلك الرجل واحداً من أروع الناس الذين قابلتهم في حياتي.
لعب ظهور باتريك في حياتي نفس الدور الذي لعبه الكتاب في حياته هو، فلم أره على أنه فاشي من البوير[3]، ولكن على أنه إنسان، مثلي تماماً. جعلني باتريك أدرك أنك عندما تكره الناس، فأنت لا تراهم حقاً، بل تراهم على أنهم مجرد أشياء يمكن التلاعب بها أو تجاهلها، وبذلك تكون قد محوت آدميتهم. ويفعل الكثير منا ذلك مع البيض الجنوب أفريقيين، وسكان الأكواخ في كيب تاون، وسكان المدن في سوريا، وغيرهم، فنراهم كالبقع الصغيرة تحت طائرة إلقاء القنابل الخاصة بنا، أي صغار جداً بحيث لا نستطيع حتى أن نراهم بشكل فردي.
يحدث محو الآدمية عندما نسمح لأنفسنا بأن نمارس متعة سرية صغيرة قذرة هي أن نستخدم ألفاظاً عرقية تقلل من قيمة الشخص المشار إليه. يحدث ذلك عندما نستخدم سلوك شخص "أجنبي" غريب عنا كمثال على دونية الأجانب، كما قد نفعل حين يتخطى شخص آسيوي دوره في طابور ما. يحدث ذلك عندما نفسر لغة الجسد وأسلوب اللباس على أنه مخالفة للسلوك "اللائق". يحدث ذلك في كل مرة تتم فيها تغطية حادث قطار في بنغلاديش أو بوليفيا يقتل فيه 700 شخص في الصفحة 11 من الصحيفة وكأنها مسألة غير ذات أهمية. يحدث ذلك عندما نقوم بعدّ المناشف على كراسي الشاطئ بعد أن يجلس عليها الألمان تحسباً من سرقتها، وعندما نتفادى ثلاثة شبان سود على ناصية الشارع. يحدث ذلك الآن عندما يبدأ الناس – وأقصد الذين يلتزمون بالتصرفات اللائقة في كل أمر آخر – في الشكوى من تدفق المهاجرين. ففي كل مرة نمحو آدمية شخص ما، فنحن نغرس بذرة صغيرة من بذور الحرب. ويتم هذا الغرس لا من قبل الإدارة الأمريكية أو زعماء إيران أو غيرهما، بل بأيدينا نحن – أي أنا وأنت.
إذاً فالسؤال "أين يمكن أن نجد السلام؟" يقودنا إلى... هل لك أن تخمن أين؟ هذا صحيح: إلى بواطن أنفسنا نحن. وليس من الصعب أن نجد في حياة وكلمات الحكماء العظماء أدلة على صحة هذه الفكرة، فقد تحدث المسيح عن "محبة عدوك" و"الخشبة التي في عينك" و"تحويل الخد الآخر" (أي لمن لطمك على خدك الأيمن)، ودعا بوذا إلى "طريق الرحمة"، ودعت الطاوية وطائفة الزن zen إلى مبدأ "وو وي" wu wei (أي العمل بدون نية مسبقة أو غرض مسبق)، ويعلمنا الإسلام عن رحمة الله، ونادى غاندي بالمقاومة السياسية السلبية (ساتياجراها). فهل أستمر في سرد الأمثلة؟
كثيرا ما تتم مقارنة الحرب بنشوب الحريق. فأولا، تنبثق شرارة صغيرة – وهي شيء صغير غير مؤثر بشكل كبير – ولكن دائما ما يتوفر لها الكثير من الوقود من حولها، وهو وقود كالحطب الجاف سريع الاشتعال، ويتكون من العنصرية والقومية والتحيز والمصالح الذاتية. في غمضة عين تشتعل الأرض بمن عليها. وعندما يحدث ذلك، فلا يسعنا إلا أن نصلي لنطلب الغيث. إذا ما صلينا من أجل السلام، فقد تسفر رغبتنا الجماعية عن معجزة خاصة – فتستنفذ الحرارة وتبرّد النار، ويُسمح للأمور بالعودة إلى احتراقها البطيء السابق. ولكن تأتي النار مراراً وتكراراً، وسيستمر ذلك إلى أن نبدأ أن نفهم أننا – نحن – مصدر الصراعات والمحرضون عليها ومرتكبوها. وسيستمر ذلك حتى نتكفل – نحن – بتبليل الوقود الجاف الذي تتغذى عليه الكراهية فلا يحترق. ورغم أن تسيير الحروب يحدث في هيئات الأركان والمقرات الميدانية، فما من شك في أنها تبدأ في الوجدان الفردي للفرد والوجدان الجماعي للناس – أي هنا بيننا، وليس هناك في مكان بعيد ما.
كان صديقي الراحل آدم كيرل مسيحياً من طائفة الكويكر وبوذياً من مذهب البوذية التبتية في آن واحد، وهو من قام بتأسيس كرسي دراسات السلام في جامعة برادفورد. عندما تورطت في صراع في يوم من الأيام، قام لي آدم بدور المرشد والمحامي معا. ذكر لي ما يسمى "بمحاربي شامبالا"، وهم أناس يمارسون سراً فن إنهاء الحرب والعنف، وهم يسمون ذلك "شنّ السلام"، أسوة بشن الحرب. أولئك المحاربون هم أسطورة تبتية قديمة، ولكن بعض المجموعات منهم موجودة بالفعل. وحسب كلام آدم، فهم يعتقدون أن منبع الحرب هو قلب الإنسان، كما أنه أيضاً منبع الحب، ويعتقدون أن المبدأ الجوهري هو ممارسة "المحبة المتعمدة". أي أن يحب المرء شخصاً لا يمكن له أن يحبه بسهولة، كالقاتل والغريب والعدو. قال لي آدم أنه يمكن حتى لشعاع صغير من الحب يتم إرساله بشجاعة من القلب أن يفعل أشياء رائعة. فهو كان يعرف أن الكراهية تولد الكراهية، وأن الخوف يولد الخوف، وأن العقاب يولد الانتقام. على سبيل المثال، إذا ضربت طفلاً فسيذهب ويضرب الآخرين، أما إذا احتضنته عندما يتألم ويخاف فإنه سيتعلم أن يحب. هذا هو السبب في أننا - جميعا - مسؤولون. ومهما ابتعدت الحرب عنك، فإن موطنها قلبك نفسه، ولذلك لا توجد وسيلة لإيقاف الحروب الخارجية بدون إيقاف الحروب الداخلية، وجميعنا مسؤول عن ذلك.
قد يبدو هذا سهلاً لكنه أصعب مما يبدو. فقد تعودنا على التفكير في الحب على أنه شيء يحدث من تلقاء نفسه، كما يحدث عندما تقع في الحب، أو عندما تعاشر شخصاً لسنوات طوال فتتحول العلاقة بينكما تدريجياً إلى علاقة محبة مهما كانت الخلافات بينكما. كل هذا مفهوم ومألوف، لكن يتطلب الأمر أكثر من ذلك كي تحب شخصاً يصعب حبه. فكيف نفعل ذلك؟
الحل هو كلمة صغيرة هي التشاعر (أي التقمص الوجداني empathy). التشاعر، أو التقمص الوجداني، ليس هو التعاطف، بل هو شيء آخر هو القدرة على فهم أو الشعور بما يمر به شخص آخر، أي القدرة على أن يضع الشخص نفسه في مكان ذلك الشخص. هل تعرف قصة السامري الصالح[4] من الإنجيل؟ كان يمكن للتعاطف أن يجعل قلب السامري يذوب شفقة، لكن ربما كان سيكلفه ذلك فعاليته في التعامل مع مشكلة الرجل المصاب. ولو كان السامري قد شعر بالبغضاء لما تأثر، ولم تكن محنة الضحية لتعني له شيئاً. لكن مكّنه التقمص الوجداني من أن يضع نفسه موضع الرجل المصاب، فاستطاع أن يتصور الصعوبات التي كان يعاني منها دون أن تغشاه عاطفة لا لزوم لها، واستطاع أن يكون مفيداً حقاً.
لذلك ربما كان جوهر "المحبة المتعمدة" منصباً على استعداد المرء لاستكشاف موقف الآخر عوضاً عن فيضانات دموع التعاطف والشعور بتسارع ضربات القلب. ربما لا يمكننا الشعور بعاطفة تجتاح صدورنا عندما يخالف طالب لجوء قوانيننا أو أعرافنا، لكن نستطيع أن نكون متفهمين وأن ننظر إلى ذلك بوجهة نظر مفيدة في نهاية المطاف بدلا من أن نثور غضباً. وعندما يكون من الضروري أن نعارض موقفاً لشخص ما، يجب علينا أن نتأكد من أننا نعارض موقفه – وليس تاريخه، أو لهجته، أو لونه، أو تسريحة شعره. هذا ليس سهلاً – ليس سهلاً على الإطلاق – ولكنني أعتقد أنه الوسيلة الوحيدة للخروج من هذه الدائرة اللانهائية. هذا هو السبيل الوحيد لمنع نشوب معارك واشتباكات جديدة، فعندما نتخلص من سم الغضب، نجعل المستقبل ممكناً، بل ونجعله ممكناً بطرق قد تبدو لنا الآن غير معقولة.
ما قولك في هذا؟ هل نبدأ الآن؟ دعنا نفعل ما نعرف أننا يجب أن نفعله. دعنا نبدأ بنية أن نحب شخصاً لا يمكننا أن نحبه. قد يكون ذلك الشخص أجنبياً، أو ربما يكون شخصاً قد أذانا. فلنبدأ بشخص واحد، ولنستمرّ في محاولة أن نحبه، موظفين في ذلك قدرتنا على التقمص الوجداني، بدون أن نستسلم للبغيض من آرائه أو نتقبلها. وعلينا ألا نحب بطريقة مزيفة أو متصنعة أو منافقة. قال المعلم الهندي ميهير بابا: "إن الحب الحقيقي ليس لضعفاء النفوس، بل هو وليد القوة والتفهم".
تأتي المناوشات وتذهب، وسيبقى الحال هكذا، لكن يبقى أن هناك سلاماً أكبر يمكننا أن نفوز به، ونحن مؤهلون لذلك. يتطلب الأمر فقط القليل من المحبة وقوة الإرادة. يمكن لقطرة صغيرة من المحبة نابعة بسرور من صفاء النية والتفاهم أن تفعل ما لا يمكن لأي شيء آخر أن يفعله.
إن لم نفعل نحن ذلك، فمن سيفعل؟
[1] الكويكر Quakers، أو الصاحبيون، أو جمعية الأصدقاء الدينية هي جماعة من المسيحيين البروتستانت نشأت في القرن السابع عشر في إنجلترا. يركز الكويكر على أهمية التجارب الروحية الداخلية أكثر مما يركزون على التعاليم، وتعد طائفتهم من كنائس السلام، وكانوا ضمن أوليات المؤسسات الدينية المناهضة للعبودية.
[2] إحدى جبهات المؤتمر الوطني الأفريقي
[3] جماعة من المستوطنين المسيحيين الهولنديين في أفريقيا
[4] قصة السامري الصالح هي قصة من الإنجيل تحكي أن كان رجل يهودي في طريق سفر، وكان الطريق معروفاً بخطورته لكثرة اللصوص وقاطعي الطرق به. هاجم اللصوص هذا الرجل اليهودي وسرقوه وتركوه بين حي وميت. وعندما مر بالرجل كاهن، تركه ومضى، ثم مر رجل دين آخر به، فتجنبه واتجه الى الجانب الاخر من الطريق. لكن عندما مر به رجل سامري – وكان من غير المعتاد أن يساعد السامري اليهودي بسبب التمييز العنصري الكبير بين الشعبين – رأف لحاله، فداوى وضمد جراحه ثم حمله ووضعه على حماره واخذه الى فندق وأسكنه فيه. وفي صباح اليوم التالي أخرج قطعتين من الفضة وأعطاهما لصاحب الفندق وكلفه برعايته وطلب منه إذا ما تطلب الأمر أن يصرف عليه أكثر مما أعطاه وأن يحاسبه لدى عودته، وكل ذلك رغم التفرقة العنصرية بين السامريين واليهود.
تعليقات
إرسال تعليق