رسالة إلى أمجد

هذه رسالة كتبتها إلى صديقي المخرج الفذ أمجد أبو العلا لدى سماعي لخبر وقصة وفاة الناشطة المصرية سارة حجازي، وقد أثارت بعض الجدل.
عزيزي أمجد
أنا جيك لستر الشهير باسم "أسامة ندير" الذي مثّل في طفولتي في فيلم حدوتة مصرية، وكان ذلك سبباً في أن نتعرف ونتصادق عبر الفيسبوك.
أعلم أنك مخرج مشهور ونجم لامع، لكن لأنني أسكن في أمريكا، فلم تسنح لي الفرصة أن أشاهد أي من أعمالك بعد. أقول هذا لتعرف أنني أعتز بصداقتك دون أن أتأثر بشهرتك، وأن إبداعك ونجاحك بالنسبة لي هو مجرد حبة كرز جميلة تعلو كعكة شهية جميلة هي شخصك.
قرأت التعليقات على صورتك على الفيس بوك التي تمزج بين صورتك وعلم التعددية الملون، والذي أراه يمثلني.
دعني أكرر ذلك بوضوح: إن علم قوس قزح يمثلني. هو لا يمثلني لأنني من المثليين، فأنا لست مثليّ الجنس، ولست من المتحولين جنسيا. بل لست من الكويريين على الإطلاق. لكن يبقى أن ذلك العلم يمثلني.
وكيف لا؟ فأنا بشري وذلك العلم يمثل البشر بألواننا وتوجهاتنا وتنوعنا. ربما أنتمي إلى مجموعة من البشر لا تثير الاهتمام، فأنا لا أتمايز في توجهي الجنسي، أو هويتي الجنسية، أو حتى ممارساتي الجنسية؛ فأنا رجل متزوج من امرأة أحبها وتحبني وكلانا مخلص للآخر، وبعد أن شارفنا على الخمسين يجد كلانا أننا قد توحدنا في روتين عادي قد يراه البعض رتيبا لكنه يناسبنا.
ومع ذلك فإن هذا العلم يمثلني.
يؤسفني ما تتعرض إليه من تعليقات مؤذية من قوم يجهلون ما يقولون. لم أكن أعرف بأمر سارة حجازي – الفتاة المصرية المثلية المنتحرة المسكينة – وما عرفت بالأمر إلا مما قام أحد الأصدقاء مشكورا بنشره أمس. قلت له أنني لن أذهب فأبحث في أمر المسكينة، فقلبي لن يتحمل، وليس الأمر كأنني سأتعلم الجديد المفيد من القصة، فما أكثر هذه الحالات. إلا أنني لم أستطع أن التزم بما قلت، فذهبت وبحثت وتألمت وترحمت وثُرت.
يؤلمني ما يكتبه الناس عنها وعمن مثلها. ليت الشعوب تتعلم أننا جميعا لا حيلة لنا في تغيير توجهنا الجنسي، فهو ليس اختياراً كما يظن الكثيرون. فأنا لم أختر قط أن أحب النساء، ولم أرفض أبداً أن انجذب للرجال، ولكنها طبيعتي الشخصية الخاصة بي أن أنجذب للنساء وألا انجذب لغيرهن. وفي هذا، فأنا اتفق على ما يبدو مع المسكينة، فكلانا ينجذب عفويا وفطريا ولا إراديا للأنثى، في حين أن زوجتي وعدداً من أصدقائي الذكور من طبيعتهم الخاصة أنهم ينجذبون للذكر.
قد لا أفهم كيف ينجذب أحد إلى الرجال (فأنا أعرفنا – معشر الرجال – جيداً، ولا أجد فينا ما يستحق هذا الانجذاب)، وقد لا أفهم بالتحديد تألم آخر من إحساسه بأنه في جسد لا يمثل هويته الجنسية، ولكنني لا أجد الفهم شرطاً للتعاطف مع المعاناة. أنا أتعاطف مع الحامل ولم أحمل قط، وأتعاطف مع المضطهد ولم أضطهد يوماً، وأتعاطف مع المسجون ظلما ولم أسجن قط، وأتعاطف مع المشرد ولم أُشرّد، فماذا يمنعني من التعاطف مع ضحية أي معاناة؟
ليت الشعوب تتعلم أن لا يمكن تغيير التوجه الجنسي لأي فرد، فلا يمكن لك أن تثنيني عن شغفي بالأنثى فتجعلني أشغف بالذكر بدلا منها، ولم يكن بالإمكان أبداً أن تثني أي مثلي التوجه عن مثليته، فلا داعي للخوف من أن تقوم السحاقية بإغواء أنثى أخرى إلا إذا كانت الأخرى سحاقية أصلاً!
أظن أن بعض الناس يكرهون السحاقية لأن بعض الرجال يشعرون بالخوف من امرأة لا تريدهم، وبعض النساء يخفن من امرأة قد تريدهن، وهكذا بالنسبة للمثليين من الذكور. وأظن أن هذا الخوف يمتد لمن يتعاطف مع ضحايا تلك الكراهية.
ليت الشعوب تتعلم خطورة الأمراض النفسية. أتحدث هنا عن مرض اضطراب ما بعد الصدمة post-traumatic stress disorder (PTSD)، وهو مرض نفسي خطير يصيب الناس الذين تعرضوا لصدمات مروعة – كصدمة سارة من معاملة مجتمعها ومؤسساته لها – فيصابون بالاكتئاب والخوف وفقدان التحكم في ردود الأفعال وعدم الاتزان العاطفي، وقد يدفع المصابين به إلى الانتحار كما حدث في حالة سارة.
أما فيما يتعلق بالإلحاد فربما كانت أقوال وأفعال بعض "المؤمنين" وغيرها من نَضْحهم بما يحملونه هو ما "طفّش" سارة من الدين ومن المتدينين، وفي ذلك فأنا لا ألوم عليها، فما رأيت أحدا يشوه صورة دينه أكثر ممن يدعي التدين وهو ضال عن جوهر دينه! أقسم لك أن أي اعتقاد بأن الله يرفض أن يرحم أي مخلوق من مخلوقاته – مهما كان – هو اعتقاد غير صحيح، وأن أي جماعة لا تتعاطف مع أضعف أعضائها هي جماعة غير جديرة بأن ننتمي إليها. فإن كنت تظنها مخطئة فلتدعو لها بالمغفرة رفقا بها، وإن كنت تراها ضالة فلتدعو لها بالهداية رحمة بها، وإن كنت تراها سيئة فلتكن أفضل منها دون تكبر أو تعال أو إيذاء! فلربما لو كنا جميعنا قد انتهجنا ذلك النهج لما كانت قد هجرت ما كانت تؤمن به ولا كانت أنهت حياتها.
ليت الشعوب تتعلم أن الأديان جميعها تعلمنا أنها وُجِدت لخدمة البشر جميعاً، بل والأرض وما عليها من الكائنات جميعها، فمن دعاه دينه للإضرار بالآخرين فإما هو ضال عن دينه، أو أن فهمه له هو فهم خاطئ، أو هو بحاجة إلى دين آخر.
اعذر إطالتي عليك وحنقي يا صديقي، فأنا تألمت لها، ولك، ولي، ولجميع المعلقين على صورتك على اختلافهم واختلاف آرائهم، ولعلنا جميعا نهتدي.
رحمك الله يا سارة.
جيك لستر (أسامة ندير)
تعليقات
إرسال تعليق